بقلم: أحمد الدليم
يُعد العراق واحداً من أكثر المختبرات البشرية تعقيداً في التاريخ العالمي. فبينما يمتلك هذا الكيان جذوراً ضاربة في عمق الحضارة الإنسانية بكونه مهد القوانين الأولى ، إلا أنه يعيش اليوم صراعاً مريراً لإثبات كينونته كدولة حديثة تحترم حقوق الإنسان وتخضع لسلطة القانون.
1. الجذور القانونية والسياسية: من أور
إلى بغداد
لم يكن العراق يوماً مجرد جغرافيا، بل كان فكرة قانونية. بدأت من سومر حيث نُظمت أولى علاقات الملكية والزواج، وصولاً إلى بابل التي صدرت للعالم مفهوم العدالة كواجب للدولة وليس منحة من الحاكم. في العصور الإسلامية، تحولت بغداد إلى مركز كوني للترجمة والعلوم، مما خلق إرثاً من التعددية الثقافية التي كانت هي المحرك الأساسي للازدهار. هذا التاريخ يثبت أن العراق يمتلك جينات الدولة المدنية، لكن التحدي كان دائماً في استمرارية هذه المؤسسات أمام موجات الغزو والاضطراب.
2. نشوء الدولة الحديثة: حلم
الليبرالية الضائع
في مطلع القرن العشرين، وتحديداً مع
تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حاول الرعيل الأول بناء دولة على الطراز
البرلماني. شهد العراق في تلك الحقبة حراكاً فكرياً ليبرالياً، ونشأة للصحافة
المستقلة، وقضاءً كان يُعتبر من بين الأفضل في المنطقة. لكن هذا المسار الحداثي
اصطدم بمشكلتين بنيويتين:
3. العهد الشمولي وتآكل الهوية
الحقوقية
دخل العراق في عقود من الحكم الشمولي الذي اختزل الدولة في الحزب والقائد. في هذه المرحلة، تم تدمير المجتمع المدني تماماً، واستُبدلت لغة الحقوق بلغة الولاءات. هذا التآكل لم يكن سياسياً فحسب، بل كان أخلاقياً وقانونياً، حيث تم تسييس القضاء وتحويل الدستور إلى أداة لخدمة السلطة، مما مهد الطريق للفوضى التي تلت عام 2003.
4. ما بعد 2003: صدمة الديمقراطية
والسيادة المنقوصة
جاء التغيير ليفتح الباب أمام
الديمقراطية، لكنها كانت ديمقراطية إجرائية وليست قيمية. وبدلاً من بناء دولة
المواطنة، ظهرت منظومة المحاصصة التي فتتت الدولة إلى هويات فرعية.
هنا تبرز الأزمة الراهنة التي يرصدها مركزنا:
تعدد مراكز القوة: حيث أصبحت قوى اللادولة تمتلك سطوة تفوق سطوة القانون.
غياب العقد الاجتماعي: دستور 2005،
رغم أهميته، ظل نصاً يفتقر إلى آليات الحماية الحقيقية للفرد أمام تغول الجماعات
المسلحة أو الأعراف العشائرية.
5. الرؤية الاستراتيجية لمركز
سينيكا نحو مستقبل المواطنة
إن دراسة تاريخ العراق تفضي إلى نتيجة واحدة, وتتمثل في أن لا استقرار دون سيادة القانون. نحن في مركز سينيكا نرى أن الحل يكمن في:
العودة إلى إرثنا التاريخي كأمة قانونية .
لا يمكن بناء دولة ديمقراطية ما دام الفرد فيها مهدداً في حياته وتعليمه وحريته بسبب أفكاره أو جنسه.
إنهاء حقبة تسييس العدالة والعمل على بناء مؤسسات عابرة للانتماءات الطائفية.
إن تاريخ العراق ليس مجرد قصص عن
الماضي، بل هو بوصلة للمستقبل. إننا في مركز سينيكا للدراسات والنشر، ومن خلال
مرصدنا الحقوقي، نعمل على تحويل الدروس التاريخية إلى أوراق سياسات ومشاريع
قانونية تضمن ألا يعيد التاريخ نفسه في دورات من العنف والاستبداد.
