التعذيب في السجون وأثره في صناعة التطرف والإرهاب, أيمن الظواهري انموذجا

 


بواسطة: أحمد هدرس 

تُشكل ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف أحد أعقد التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار العالمي في العصر الحديث. وفي محاولات الدول لمكافحة هذه الظاهرة، غلبت المقاربات الأمنية الصلبة التي ركزت على الملاحقة والاحتجاز، مما جعل السجون والمعتقلات شريكاً واجهاً في هذه المواجهة. ومع ذلك، تُشير الشواهد التاريخية والواقعية إلى مفارقة صارخة؛ إذ تحولت العديد من هذه المؤسسات العقابية بدلاً من كونها مراكز للإصلاح والتأهيل إلى بيئات حاضنة لتوليد الفكر المتطرف وإعادة إنتاجه بشكل أكثر عنفاً وشراسة.

تكمن إشكالية هذه الدراسة في تتبع الخيط الرابط بين ممارسات التعذيب الممنهج —بشقيه الجسدي والنفسي— داخل السجون، وبين صعود الراديكالية العنيفة. إن الارتباط بين الطرفين ليس ارتباطاً عارضاً، بل هو ارتباط وثيق وسببي؛ فالتعذيب ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي وحقوق الإنسان والقوانين المحلية في دول بعينها  فحسب، بل هو أداة تحفيزية تدفع الفرد نحو التطرف.

إن سحق الكرامة الإنسانية عبر التعذيب الجسدي (كالضرب، والحرمان من النوم، والاعتداءات البدنية) والتعذيب النفسي (كالعزل الانفرادي المطول، والإذلال الرمزي، والتهديد المستمر) يُحدث فجوة نفسية وفكرية عميقة داخل السجين. هذا الهدم الممنهج للشخصية ينتج عنه ثلاثة تحولات رئيسية تغذي الإرهاب:

أولا: سيكولوجية الانتقام وسحق الهوية: يولد التعذيب رغبة عارمة في الانتقام من الجلاد ومن المنظومة السياسية أو الاجتماعية التي يمثلها، مما يجعل العنف وسيلة وحيدة لاستعادة الكرامة المهدورة.

ثانيا: البحث عن الانتماء والملجأ الأيديولوجي: داخل السجون المكتظة والمشحونة بالقمع، يجد السجين المعذب في الجماعات المتطرفة الموجودة معه داخل المعتقل ملجأً يوفر له الحماية والدعم النفسي، ويقدم له تفسيراً أيديولوجياً توجهاً متطرفاً يبرر مظلوميته ويمنحها بعداً عقائدياً أو سياسياً.

ثالثا: صناعة المظلومية المشتركة: يساهم التعذيب في تحويل الأفراد من مجرد مدانين بجنح عادية أو سياسية بسيطة إلى شهداء قضية، مما يسهل على تنظيمات التطرف تجنيدهم وتوجيه طاقاتهم الغاضبة نحو العمل المسلح بمجرد خروجهم إلى المجتمع.

 وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولتها تفكيك صناعة الراديكالية داخل الزنازين، وإثبات أن البيئات القمعية داخل السجون تعمل كمسرّعات للتطرف. ومن ثم، فإن السياسات الأمنية التي تعتمد على التنكيل بالمعتقلين لا تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار وتعميق الأزمة، مما يجعل من دراسة هذا الارتباط خطوة أساسية لإعادة صياغة استراتيجيات مكافحة الإرهاب لتصبح أكثر نجاعة من خلال إرساء سيادة القانون وأنسنة المؤسسات الإصلاحية.

 نماذج تطبيقية وشواهد تاريخية

أيمن الظواهري

ولد أيمن محمد ربيع الظواهري عام 1951 في القاهرة، لعائلة مصرية عريقة عُرفت بالمكانة العلمية والدينية والسياسية. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1974 تخصص جراحة عامة، وحصل على درجة الماجستير في الجراحة عام 1978. وانخرط في العمل السياسي الحركي منذ مراهقته، حيث انضم إلى الخلايا الأولى لما عُرف لاحقاً بـتنظيم الجهاد الإسلامي في مصر وهو في الخامسة عشرة من عمره، وتدرج في التنظيم حتى أصبح أحد أبرز قادته ومُنظريه, وسجن الظواهري في الاعوام1981- 1985, والتقى باسامة بن لادن في الحرب السوفيتية, ليعلن معه تنظيم القاعدة سنة 1998.

التغيير الفكري

بعد اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات واسعة شملت المئات من عناصر التيار الإسلامي، وكان من بينهم أيمن الظواهري. وعلى الرغم من أنه لم يكن متهماً مباشراً في عملية الاغتيال، بل حُوكم بتهمة حيازة أسلحة غير مشروعة وحكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، إلا أن تجربة السجن كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته.

وتؤكد الشهادات التاريخية، وكتابات الظواهري نفسه، بالإضافة إلى مذكرات رفاقه في السجن مثل المحامي منتصر الزيات في كتابه أيمن الظواهري كما عرفته, ان الظواهري تعرض لشتى أنواع التنكيل البدني، بما في ذلك الضرب المبرح، التعليق، واستخدام الصدمات الكهربائية, و تم تعمُّد إذلاله كشخص ينتمي إلى عائلة قاهرية عريقة وميسورة (حيث كان جده شيخاً للأزهر وخاله أول أمين عام لجامعة الدول العربية). شمل ذلك إجباره على القيام بأعمال مهينة، والاعتداء النفسي المستمر أمام المعتقلين الآخرين لكسر كبريائه. كما تذكر المصادر أن الظواهري، تحت شدة التعذيب، أدلى بمعلومات أدت إلى اعتقال بعض رفاقه ومنهم عصام القمري، وهو الأمر الذي سبّب له عقدة ذنب ونقمة نفسية عميقة ومستمرة تجاه النظام الحاكم.

وفي لقطة شهيرة سجلتها عدسات الصحافة العالمية أثناء محاكمته، ظهر الظواهري من داخل القفص وهو يصرخ بالإنجليزية نيابة عن السجناء، مستعرضاً آثار التعذيب، وقائلاً: "نحن مسلمون تعرضنا لأبشع أنواع التعذيب.. صُعقنا بالكهرباء وعُلقنا كالذبائح". هذه اللحظة بالذات يراها المؤرخون الإعلان الرسمي لولادة الظواهري "القائد الراديكالي" الذي غرس بذرة المظلومية المشتركة في نفوس جيل كامل من أتباعه.

 كيف ساهم التعذيب في صناعة إرهاب الظواهري؟

قبل دخول السجن، كان فكر الظواهري يركز على تغيير النظام السياسي داخل مصر (عدو محلي). لكن تجربة التعذيب المريرة ولّدت لديه قناعة بأن الأنظمة المحلية مدعومة من قوى دولية (وعلى رأسها الولايات المتحدة)، فصار يرى أن العنف الموضعي غير كافي، مما دفعه لاحقاً للتحالف مع أسامة بن لادن وتأسيس ما يسمى (الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين), والتي تحولت في ما بعد الى تنظيم القاعدة الارهابي. وتحول فكره من الفقه التقليدي إلى فكر يبرر العنف المطلق والانتقام الشامل، حيث اعتبر أن من يمارس التعذيب أو يسمح به هو عدو الله، وبالتالي شرّع استهدافهم بلا قيود.


 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال