أزمة الطبقة السياسية في العراق

 


أزمة الطبقة السياسية في العراق: تفكيك العلاقة بين الجمود التاريخي والخلل الدستوري

لا يمكن فهم الارتباك الذي يعتري الطبقة السياسية العراقية اليوم بمعزل عن التداخل المعقد بين الموروث التاريخي، والنص الدستوري، والواقع الحقوقي. إن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة إدارة فحسب، بل هي أزمة مفاهيم في المقام الأول، حيث تصادمت تطلعات الدولة الحديثة مع هياكل تقليدية عطلت مسار التحول الديمقراطي.

أولاً: المنظور التاريخي

تاريخياً، عانى العراق من تعاقب أنظمة اتسمت بالمركزية الشديدة أو الشمولية، مما خلق ذاكرة سياسية لدى النخب تقوم على مبدأ الغلبة لا المشاركة. هذه الطبقة السياسية، رغم التغييرات الجذرية بعد عام 2003، لم تستطع الانفكاك من موروث الصراع على السلطة كأداة للبقاء، وليس كأداة لخدمة الصالح العام، مما جعل الممارسة السياسية الحالية امتداداً لصراعات الهوية التاريخية بدلاً من أن تكون انطلاقة نحو المواطنة الحديثة.

ثانياً: الإطار الدستوري

من الناحية القانونية والدستورية، جاء دستور عام 2005 ليكون عقداً اجتماعياً طموحاً، لكنه احتوى في طياته على ألغام قانونية وتفسيرات مطاطة سمحت للطبقة السياسية بتطويعه لخدمة المصالح الفئوية. إن غياب الفصل الحقيقي بين السلطات وتحول المحاصصة إلى عرف دستوري غير مكتوب، أدى إلى شلل المؤسسات الرقابية. فالدستور الذي كان من المفترض أن يحمي الفرد من تغول السلطة، صار في كثير من مفاصله أداة تستخدمها النخب لشرعنة تقاسم النفوذ.

ثالثاً: الجانب الحقوقي

عندما تفشل الطبقة السياسية في بناء مؤسسات قانونية مستقلة، يكون الحق هو الضحية الأولى. إن الربط بين السياسة والحقوق يظهر جلياً في تراجع مؤشرات الحريات العامة؛ فالانتهاكات التي يوثقها مرصد سينيكا من تكميم للأفواه أو تغول للقوى خارج إطار القانون, هي نتيجة مباشرة لضعف الإرادة السياسية في إنفاذ القانون الدستوري. لا يمكن الحديث عن حقوق إنسان في بيئة سياسية ترى في القانون وجهة نظر وفي الدستور ورقة للتفاوض.

رابعاً: رؤية سينيكا للحل

إن الخروج من هذا النفق يتطلب ثورة في المفاهيم القانونية والسياسية, من خلال:

 تفعيل المواد الدستورية المعطلة، وحماية استقلال القضاء من التجاذبات السياسية.

 التصالح مع الهوية الوطنية الجامعة وتجاوز السرديات التاريخية الإقصائية.

اعتبار حقوق الإنسان خطاً أحمر لا يخضع للتوافقات السياسية.

وفي الختام نشير الى ان الطبقة السياسية في العراق مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإدراك أن شرعيتها لا تستمد من الوجود التاريخي أو المحاصصة القانونية، بل من مدى التزامها بحماية حقوق المواطن وضمان سيادة القانون. فالدولة التي لا تحترم دستورها، هي دولة تؤسس لزوالها.








إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال