لا يمثل التعذيب في السجون العراقية مجرد حوادث معزولة أو سلوكيات فردية طائشة، بل تحول عبر عقود إلى ظاهرة هيكلية تتداخل فيها العوامل السياسية، القانونية، والاجتماعية. إن دراسة هذا الملف لا تهدف فقط إلى كشف الانتهاكات، بل إلى تفكيك الآليات التي تسمح باستدامة هذا العنف داخل المؤسسات الإصلاحية والأمنية، تمهيداً لبناء منظومة عدالة تحترم الكرامة الإنسانية.
للانطلاق في مسح ميداني وتحقيق معمق، يجب تقصي الأبعاد التالية التي تشكل ملامح المعاناة داخل السجون:
الفجوة القانونية والإجرائية: رغم توقيع العراق على الاتفاقيات الدولية لمناهضة التعذيب، لا تزال هناك فجوة هائلة بين النص والتطبيق. فالاعتماد المفرط على الاعتراف كدليل وحيد في المحاكمات يمثل المحرك الأساسي لعمليات التعذيب أثناء التحقيق.
اكتظاظ السجون وبيئة الاحتجاز: تجاوزت السجون العراقية طاقاتها الاستيعابية بنسب مأساوية، مما يخلق بيئة خصبة لانتهاكات حقوق الإنسان، وغياب الرعاية الصحية، وتحول السجن من مؤسسة "إصلاحية" إلى بيئة لتوليد الحقد الاجتماعي.
تعدد الجهات الاحتجازية: يؤدي تداخل الصلاحيات بين وزارة العدل، والداخلية، والدفاع، وجهات أمنية أخرى، إلى ضياع المسؤولية الحقوقية وتصعيب الرقابة المستقلة على مراكز الاحتجاز.
خارطة الطريق
إن مركزنا، ومن خلال هذه البوابة، يعلن عن إطلاق مشروع بحثي واستقصائي يعتمد على الأدوات العلمية التالية:
المسح الكمي: جمع بيانات إحصائية حول أعداد النزلاء، مدد الاحتجاز دون محاكمة، ونوعية الشكاوى المقدمة.
التحقيق النوعي (الميداني): إجراء مقابلات مباشرة مع مفرج عنهم، وعائلات المعتقلين، ومحامين حقوقيين، لتوثيق الشهادات الحية وتصنيف أنماط التعذيب .
التحليل الهيكلي: دراسة سلسلة القيادة داخل مراكز الاحتجاز لتحديد نقاط الضعف التي تسمح بحدوث الانتهاكات دون محاسبة.
لا نهدف من هذا الحراك البحثي إلى الشهادة على الألم فحسب، بل نهدف إلى تزويد صناع القرار، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني العراقي بـ:
قاعدة بيانات موثقة تعتمد المعايير الدولية.
توصيات تشريعية تضغط باتجاه تجريم التعذيب بنصوص صريحة لا تقبل التأويل.
إصلاح المنظومة العقابية عبر الانتقال من فلسفة "العقاب والانتقام إلى فلسفة التأهيل والاصلاح.
